Dasin
by on 14. March 2022
76 views

مقدمة:

ينتسب الشيخ ناصر الإيسياني الى النصف الأول من القرن التاسع عشر وكان رئيسا دينيا للطائفة اليزيدية أما نسبته لإيسيان وهي قرية قريبة من بيبان من نواحي الشيخان التي تقع شمال الموصل فلولادته فيها لأنه كان يسكن في باعذري [باعذرا]، ويتنقل بين القرى اليزيدية المنتشرة بين الموصل وسنجار وفي سهل نينوى ونواح في شرق نينوى حيث تنتشر قرى النصارى وطائفة الشبك بينما تمتد ولايته الروحية في مساحة تتجاوز الحدود العراقية الى جورجيا وارمينيا في روسيا وشمالي سورية وجنوب شرقي تركيا، وحيث يوجد افراد من طائفته في كل انحاء العالم..

عاصر الشيخ ناصر الإيسياني عددا كبيرا من الرحالة والتبشيريين الأجانب من اعضاء الجالية الأوربية في الموصل خلال فترة قلقة مكتظة بالحوادث التاريخية المهمة وحركات العصيان التي عصفت بمنطقة الموصل واستهدفت القضاء على الطائفتين الكلدانية واليزيدية من بين اهداف أخرى شخصية وعنصرية..ومن أبرز تلك الحوادث حركة عصيان محمد راوندوزي المعروف بميركور الأعور وحركة بدر خان وقد امتدت الحركتان طوال العقدين الأخيرين من منتصف القرن التاسع عشر، إذ لم تلبث حركة الراوندوزي على التقهقر والإنقضاء حتى بدأت حركة بدرخان في حرق الأخضر واليابس في شمالي العراق وأجزاء من تركيا منطلقا من معقله بجزيرة ابن عمر..

وكانت الموصل في وضع لاتحسد عليه مدينة في العقود الأولى من القرن التاسع عشر..وهو وضع لايمكن باي حال من ألأحوال فصله عن الأوضاع المتردية للأمبراطورية العثمانية التي كانت على الرغم من إرادة ادارتها في اسطنبول الإصلاحية، في حالة انهيار سريع استحقت في طور تفاقمه لقب رجل أوربا المريض..وهي مع توظيف هذا المجاز اي [رجل مريض] فهو مريض لاتخلو يديه من مخالب وفكه من انياب..غير ان ضحيته في الحالات كلها وعند كل ازمة اقتصادية تعصف بالعاصمة او هزيمة تهتز لها البلاد وتزعزع ثقة السلطان شبه المطلقة بموارده وقوته، هو الرعية التي تشمل بوجه خاص العرب الذين وقع عليهم الجهد العسكري من الطرفين المتحاربين مصر واسطنبول فضلا عن وضعهم في خط المواجهة مع الدول الأوربية الثائرة للمطالبة بأستقلالها..وكان استقلالا ناجزا او يكاد باكمله على عهد السلطان محمود الثاني الذي لم يجد بدا من المضي بالإصلاحات وكانت نتيجة الأصلاحات واضحة ومأساوية على الكثير من الولايات العربية وبخاصة العراقية ومنها الموصل مركز واحدة من أكثر الولايات العثمانية ثراءا وقوة لآنها ضمت شمالي العراق وأجزاء من جنوب شرقي آسيا الصغرى، مما ربط مقدراتها بالمتغيرات السياسية والإقتصادية للأمبراطورية العثمانية

ولعل من اهم تلك المتغيرات تراجع الأمبراطورية العثمانية وتكرر هزائمها العسكرية في مواجهاتها مع اوربا وروسيا العظمى مادعاها الى محاكاة الغرب منذ بدايات القرن التاسع عشر وتحديدا على عهدي السلطان محمود الثاني وابنه عبد المجيد الأول..وهو تطور سرعان ما اتخذ اتجاها معاكسا في العهود اللاحقة التي شهدت نهاية الأمبراطورية العثمانية ونشوء تركيا الحديثة..هذا الى جانب التنافس والإقتتال الإقليمي بين والي مصر محمد علي باشا والسلطان محمود الثاني..وهي حلقة تكتسب أهميتها من عوامل عديدة أهمها تدخل القوى الغربية في هذا التنافس وتوجيهه نحو غايات تخدم سياساتها وتحقق مصالحها..وهو حال يتكرر عبر تاريخ المواجهات بين الشرق والغرب على الرغم من التناحر والتنافس فيما بين الدول الغربية نفسها وهو تناحر يتلاشى عندما يواجه الغرب قوى اسلامية او مشرقية مستقلة كما تؤكد التجربة التاريخية في تحالف الغرب في الحروب الصليبية وفي اسقاط الأمبراطورية العثمانية وفي التحالف الأخير ضد العراق ثم فيما يسميه الغرب الربيع العربي الذي استهدف الدولة العربية ذات السيادة من داخل اراضيها بينما يبقي دول الأستتباع والرجعية المعروفة متدثرة في شتاء الدم العربي..وهناك دراسات لاحصر لها تناولت تلك المرحلة اهمها دراسة ديفيد أركهارت التي ركزت على المقارنة بين شخصية السلطان محمود الثاني ومحمد علي باشا في سياق دراسة المواقف الأوربية تجاههما واحتمالات ترجيح كفة احدهما على الآخر تبعا للمصالح الغربية والتنافس بين روسيا من جهة وفرنسا وبريطانيا من جهة ثانية..وهي دراسة مهمة لمعاصرتها للصراع بين هذه القوى في الشرق الإسلامي والغرب المسيحي..وتتجلى في هذه المرحلة من الصراع بين قوة اقليمية ناشئة قوام جيشها من العرب وامبراطورية واسعة الأطراف حقيقة تاريخية متكررة تتمثل بميل الزعامات الأقليمية في اطراف الدول الكبرى الى الخروج على ارادة السلطة المركزية والأنفصال فالأستقلال عن الدولة الأم كما في الأمبراطورية الآشورية على عهد ادد نيراري الثالث عندما ابدى شمشي ايلو ميلا للأستقلال ببلاد الشام، تكرر مع حاكم بابل شقيق آشوربانيبال شمش شموكين الذي شق عصا الطاعة واستقل ببابل..وتكرر ذلك على عهد المنصور عندما شق ابو مسلم الخراساني عصا الطاعة على الخلافة العباسية في بغداد، وغير ذلك عديد.. غير أن خروج محمد علي باشا الأرناؤطي على السلطان العثماني واستقلاله بمصر يعد واحدا من أخطر الأنشقاقات في التاريخ وذلك لتشاطر عوامل اقليمية وعالمية متنوعة في التمهيد له وتوظيفه في سياق السياسات الغربية طيلة العقود الثلاثة الأخيرة من النصف الأول من القرن التاسع عشر.. وقد مهدت لأنشقاق محمد علي باشا واستقلاله بمصر ثم توسيع رقعة دولته لتضم سوريا وكريت واجزاءا من الأناضول هزيمة العثمانيين في الحرب الروسية العثمانية 1828- 1829 التي تمخضت عن ضياع قرابة نصف أراضي الأمبراطورية العثمانية..مما وضع السلطان العثماني في كماشة احد طرفيها قوة اسلامية والآخر القوى الغربية مجتمعة..ولم يكن الغرب في حقيقة توجهاته يعمل لصالح اي من الطرفين المسلمين المتحاربين ..ولكن التنافس بين بريطانيا وفرنسا من جهة وبين الأخيرتين وروسيا من جهة أخرى خلق وضعا سياسيا ودوليا عطل التعاون بين القوى الأوربية للأجهاز على الأمبراطورية العثمانية والحيلولة دون تحقيق محمد علي باشا لأنتصارات حاسمة بعد استيلائه على سوريا عام 1833، تؤدي الى تربعه على عرش دولة اسلامية عاصمتها القاهرة او اسطنبول..فكلاهما السلطان والباشا في منظور الغرب، شر لابد منه للحد من الأطماع الروسية..وكان لمشاركة تركيا في حرب القرم الى جانب بريطانيا وفرنسا وهزيمة روسيا حقنة حياة جديدة في جسد الرجل المريض الذي أجهز عليه الغرب في آخر المطاف وتولى التحكم بميراثه الذي تضمن الأراضي العربية من المحيط الى الخليج..

الموصل في ثلاثة عقود:

تناول مؤرخون موصليون وعراقيون وعرب اوضاع الموصل ابان النصف الأول من القرن التاسع عشر وفترة حكم الولاة العثمانيين الذين اعقبوا فترة الحكم الجليلي بأسهاب..ومن هؤلاء الكتاب على سبيل المثال وليس الحصر عباس العزاوي وصديق الدملوجي وسليمان صائغ وأنستانس ماري الكرملي ورفائيل بطي وعبد المنعم الغلامي وسعيد الديوه جي..فتحدثوا عما تعرضت له الموصل من حوادث ابرزها الأوبئة والمجاعات وعن ادارة الولاة العثمانيين في الفترة الموافقة لحكم السلطانين العثمانيين محمود الثاني ومجيد الأول..وفي مراجعة هذه المدونات نلاحظ تماثلا في الوقائع التي جاءوا على ذكرها من جهة وعدم ربط هذه الحوادث على الصعيد المحلي في الموصل بالأوضاع السياسية الدولية والأقليمية التي كانت تعصف بالأمبراطورية العثمانية في ذلك العصر بتفاصيلها..كما لم يتطرق المؤرخون الى تفاصيل كثيرة جاء الرحالة والمنقبون والمبشرون من الآباء الدومنيكان وغيرهم على ذكرها..إلا أن المؤرخين العراقيين ممن أرخو للمرحلة يتفقون مع المؤرخين الأجانب في الخطوط العامة المميزة للنصف الأول من القرن التاسع عشر وحتى انتهاء فترة ولاية طاهر باشا على الموصل..فالموصل بحكم كونها تابعة للأمبراطورية لابد ان تكون في واجهة الصراع ضد اعداء الأمبراطورية ولاسيما بعد نجاح ابراهيم باشا ابن محمد علي باشا في ضم سورية الى مصر والتقدم في الأناضول القريبة جدا من الموصل..مما جعل الموصل تحت اليد العثمانية مباشرة ليس لتزويد الأمبراطورية بالدماء والأموال الضرورية للدفاع عنها مما يفسر فرض التجنيد الألزامي وزيادة الضرائب المفروضة على الناس على مختلف فئاتهم ومذاهبهم وتكرار حملات التنكيل بأعداء الأمبراطورية الحقيقيين منهم والأفتراضيين..ولم يكن الضغط العثماني محصورا على الموصل فقط، بل شمل الولايات العثمانية كافة ..فكلما لحقت بالباب العالي هزيمة جديدة، ازداد الولاة ضراوة وشدة وتعسفا في حملاتهم الضريبية والسوقية.. ومما زاد الطين بلة ان الهزائم العسكرية صاحبتها كوارث واوبئة ومجاعات تضاف الى مثلث الفقر والجهل والمرض شبه الدائمي المميز للطبقات الفقيرة وهي الأكثرية في المجتمعات العثمانية..وكانت الموصل مسرحا للويلات من كل نوع ولون فقد شهدت الموصل مجاعات مهلكة عديدة تنوعت اسبابها بين اشتعال النار بالمحاصيل بسبب ارتفاع درجات الحرارة في الصيف أو بالتعمد بأحراقها .. فضلا عن غزو الجراد وموجات البرد في سنتي 1794 و1795 وتكرر غزو الجراد الأصفر للموصل اضطرادا في 1824 و 1825 ..وكانت اسراب الجراد تفد من هضاب آسيا وصحراء ايران تحملها الرياح بمالايحصى من الملائين لكل دونم من الأرض المزروعة فتأكل الجرادة الواحدة مايعادل ضعفي وزنها كل يوم بما يتلف محاصيل الحبوب من القمح والشعير والقطن فتسلب الأرض نباتها وخضرتها وتأتي على علف الحيوان وغذاء البشر تاركة الأرض (حصيدا كأن لم تغن بالأمس)..والنتيجة الحتمية لخراب الحرث خراب النسل إذ يصبح رغيف الخبز حلما بعيد المنال.. مما جعل الأوبئة لازمة من متلازمات المجاعة فكان الجدري يأتي يدا بيد مع الطاعون ويفد الأخير مصحوبا بموجات الجراد التي لاتتردد عن دخول البيوت والتهام أثاثها..

وتكررت موجة الطاعون المصحوبة بوباء الكوليرا (الهيضة) سنة 1821 ..ثم عادت الى الظهور مجددا وسط مجاعة استمرت اكثر من سنتين 1825 حتى 1828 لتتبعها مباشرة موجة قاسية من الطاعون في 1829، ثم اعقبت الطاعون موجة جديدة من الكوليرا التي يطلق عليها العراقيون تسميات مختلفة كالهيضة وابو زوعة والريح الصفراء..وقد استمرت هذه المرة سنتين فتكت خلالها بأهل الموصل في وقت لاتوجد في المدينة كلها مستشفى واحدة هذا بالأضافة الى انتشار حبة بغداد [وتعرف ايضا بحبّة حلب ، والأُخت ، وطبيا الليشمانيا] كما ورد في تقرير احد الرحالة في الموصل آنذاك..وكان الناس يموتون بالمئات كل يوم ولم يفلت من الموت اعضاء من البعثات التبشيرية ومن الآثاريين ..ومن لم يمت منهم في الموصل حمل معه المرض ليموت بحلب أو اماكن أخرى مثل جورج سميث اما من مات منهم في الموصل مبكرا فالآثاري بيلينو والتبشيريين كولبي ميشيل الذي دفن في تل بيلا المقابل لقرية بحزاني في ظهيرة صيف ساخنة بعد نقله مشدودا على ظهر حصان لأكثر من سبعين ميل..ثم اشتد المرض بزوجته أليزا ميشيل فحملت على تختروان حتى الموصل حيث توفيت ودفنت في مقبرة الكنيسة السريانية الأرثدوكسية في الموصل وكان ذلك عام 1841 وبعد سنة توفي التبشيري ابيل هنزديل ايضا..وكان ذلك في اثناء ولاية اينجة بيرقدار محمد باشا..ويعود الفضل للدكتور أساهيل جرانت الذي دأب على التنقل من اوروميا الى دير الزعفران الى ارض روم فالموصل لمعالجة المرضى حتى توفي هو الآخر في الموصل في السنة نفسها التي توفي فيها اينجة بيرقدار محمد باشا سنة 1844..ويعتقد أهل الموصل ان الوباء يعود كل 31 سنة في موجة جديدة؛ اما غزو الجراد وهو الطاعون الثامن في التوراة والأبتلاء الثالث في القرآن الكريم، فيعزونه الى غضب الله على الناس لظلمهم انفسهم او لسكوتهم على الظالم.. وذلك لذكر الجراد في القرآن في آيتين ثانيتهما تربط بين الجراد والنقمة الإلهية: (فارسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين)، الأمرالذي يجعل الناس يشعرون بالأضافة الى ابتلاء الأوبئة، بالذنب..وكان علماء الناس يرون في طغيان الحكام واهمالهم فتنة لاتصيب الظالمين وحدهم بل تأخذ البريء بذنب الظالم..حتى وصلت الأوضاع في المدينة حالا بائسة قبل ارسال اينجة بيرقدار محمد باشا الى الموصل؛ إذ يخبرنا طبيب البعثة التبشيرية الأميركية د. جرانت الذي عاش متنقلا وراء المرضى بين ارومية وارض روم والموصل مستعرضا التاريخ القريب للمدينة:

(بالأضافة الى الأضطهاد، جاءت موجة الطاعون عام 1829 لتفتك بالمدينة ..وكان الناس يموتون بالمئات في كل يوم فيحملون وترمى جثثهم في حفرة هائلة في السور الشمالي حيث تبدو للعيان أكوام العظام والجماجم لمن ينظر من الفتحة الضيقة في السور..وكان الناس يرون ان الوالي (الجليلي) هو السبب فيما يلحقهم من ظلم فقرروا تحرير المدينة من العائلة الحاكمة ومن الباشا فقتلوا العديد من الولاة الجليليين ممن حاول استرداد النظام، بين عامي 1822 و 1834 “وقد توالى على الموصل خلال هذه المدة خمسة ولاة جليليين اثنان منهم تولاها مرتين”؛ أما المدينة فقد اصبحت خلال هذه الحواداث..مشهدا للفوضى المطلقة..فقد انقسم الناس الى جماعات تعادي إحداها الأخرى وادت المشاجرات والأغتيالات الى ضياع الأمن مما جعل الناس تبني جدرانا في الطرقات للفصل بين الأحياء المتخاصمة..اما التجارة فقد دمرت بالكامل تقريبا ..وبدت المدينة في اوقات بدون حاكم..وكان الرعية يتوصلون الى سلامتهم بالتجمع في ثلاثة او اربعة اشخاص وراء احد المتنفذين، يقوم بالمقابل بحمايتهم..وكانت الثياب تمزق من على اجسام العابرين في الشوارع..اما الأغتيالات فكانت متكررة..وكان مرتكبيها يفلتون من العقاب..ولايقدر السكان مغادرة المدينة لأكثر من نصف ساعة خوفا من العيارين الوافدين من الصحراء الذين يقدمون الى المدينة وينهبون كل من يرونه خارج اسوارها..وكان بيك راوندوز قد اقتحم الموصل ووصل حتى النبي يونس حيث استلب من الناس ممتلكاتهم كلها قبل ان يرحل الى حيث اتى) ..

والمهم في هذه المقدمة الطويلة بعض الشيء الربط بين الأوضاع الدولية العامة والحوادث التي عاشتها الموصل في تلك الفترة والمتمثلة بحكم الوالي العثماني اينجة بيرقدار محمد باشا الذي عاصر جانبا من حكم السلطان محمود الثاني وجانبا من حكم ابنه السلطان عبد المجيد الأول..وهي فترة غاية في الأهمية حيث تم خلالها اكتشاف الحواضر الآشورية نينوى وكالخو (النمرود) ومدينة سرجون وتنوعت في الموصل البعثات التبشيرية في وقت تنامت فيه الضغوط على الولاة المحليين لتطبيق الأصلاحات والأعداد للأخطار التي تهدد الأمبراطورية بأسرها..مما جعل الموصل بؤرة نشاط منقطع النظير انعكس في ادبيات الرحالة والمنقبين والأطباء الأجانب المصاحبين للبعثات التبشيرية في ذلك العهد..وبينما كانت القرارات الكبرى تتخذ في لندن وباريس وموسكو للضغط على القوى الأقليمية وفي واجهتها تركيا العثمانية ومصر، وتوجيه سياساتها ..كانت الضحية على الدوام الفقراء من بين الناس ممن لاناقة لهم ولاجمل في الحروب التي لم يتردد الطغاة في دفعهم وقودا في إذكاء نيرانها..

وبينما استهدفت تلك الويلات على اختلاف مصادرها الناس كلهم دون تمييز، إنفردت طائفة لوحدها بأوزار إضافية تمثلت باستهدافها بالموت مباشرة ليس من قبل السلطات العثمانية فحسب بل من قبل الطوائف الإسلامية والجماعات العنصرية ليس لاي سبب غير معتقداتها الدينية وممتلكاتها من الماشية والأغنام وغير ذلك، وتلك الطائفة هي الطائفة اليزيدية، ولأن أكثر اعضاء هذه الطائفة كانوا [ومايزالون] يعيشون في الموصل وأطرافها ، أطلقت السلطات العثمانية يد الولاة المحليين في تقرير مصيرهم..ولما لم يكن هؤلاء الولاة قادرين على ضبط الأمن في ولاياتهم وبخاصة في سنجاق الموصل الذي كان يضم اربيل وكركوك ودهوك والسليمانية إضافة الى الموصل مركز الولاية، كانت الطائفة اليزيدية تتعرض لمخاطر أمراء الإستيلاء الذين يسعون لتوسيع إماراتهم وممتلكاتهم في الأموال والأراضي والنفوذ على حساب الولايات والجماعات الإثنية الأضعف التي تعيش فيها، وبالتحديد النصارى الكلدان واليزيدية..وهنا لابد من الإشارة الى أن النصارى تمكنوا من ايصال اصواتهم الى العالم بطريق الممثليات الدبلوماسية الغربية في اسطنبول التي منحتهم بدورها نوعا من الحماية تحت طائلة قانون الملة، بينما لم يتمكن اليزيدية من ايصال اصواتهم الى أحد ، ولم يكن الولاة العثمانيين ليعيروا اي اهتمام بحمايتهم، وكان أهتمامهم ينصب على جباية أكبر كمية من ألأموال بطريق الضرائب وتجنيد أكبر عدد من الناس لتغذية الحروب العثمانية في الجبهات الشمالية..وقد انعكس ذلك على السياسات المحلية واساليب التعامل مع الحوادث والمستجدات والقوى الإقليمية ماجعل المنطقة سوقا للمضاربة بالمصالح والمناصب والبشر ووضع زعماء العصابات وقطاع الطرق على قدم المساواة مع الولاة..وكانت السلطة العثمانية تدعم ولاتها بقدر مضيهم قدما في تحقيق اهدافها الإقتصادية والعسكرية فعملت على تثبيت ما يعرف بالنظام والقصد منه التجنيد الإلزامي وجباية الضرائب ما ادى الى تصادم المصالح بين زعامات الإستيلاء من العصاة وقطاع الطرق كمحمد الراوندوزي وبدرخان واتباعهما من اغوات الأكراد ..بمعنى ان تصدي الولاة العثمانيين لهذ العصابات لم يكن دفاعا عن الجماعات والطوائف المضطهدة كالنصارى واليزيديين، بل محاولة لبسط نفوذ السلطة العثمانية على ولاية الموصل..مايفسر نجاح والي الموصل اينجة بيرقدار محمد باشا بمفرده حينا وبمساعدة والي بغداد علي رضا باشا ووالي سيفاس مصطفى رشيد باشا احيانا اخرى من بسط نفوذ الدولة العثمانية على قلاع المتمردين في الجبال على الرغم من تحصيناتها الدفاعية ووعورة الطرقات التي تقود اليها..وكانت اولى عملياته العسكرية في العمادية الآشورية التي شق فيها اسماعيل باشا عصا الطاعة فاتجه اليها بجيشه وفرض عليها حصارا ادى الى فرار اسماعيل باشا، فدخلها واصلح احوالها وعين عليها ضابطا من خاصته وعاد الى الموصل..وكان ذلك عام 1835 ..وبعد عام على هرب اسماعيل باشا الى [نيره وا] في الجبال، تحركت قوة كبيرة بقيادة الدبلوماسي العثماني الشهير مصطفى رشيد باشا وبأمر من السلطان محمود الثاني نفسه لقمع عصيان محمد ميركورالراوندوزي الذي قويت شوكته ووسع اراضيه حتى ماردين واطراف الموصل، وقتل الكثير من النصارى وااليزيدية بلا رحمة..بل قام بالأتصال بمحمد علي باشا والي مصر وتقديم المساعدة لأبراهيم باشا في حربه مع العثمانيين في سورية..وقد اصطحب مصطفى رشيد باشا معه اينجة بيرقدار محمد باشا والي الموصل وعلي رضا باشا والي بغداد والتقت قواتهم في دشت حرير قبل تحركها الى راوندوز التي تحصن فيها ميركور وبعد مناوشات ومداخلات تضمنت اصدار امر بالأمان لميركور وفتاوي اطلقها مقربون منه كفتوى الملا محمد الخطي [وهو الملا نفسه الذي افتى بقتل اليزيدية] القاضية بتحريم قتال جيش الخليفة، استسلم ميركور واقتيد الى اسطنبول حيث حصل على العفو من السلطان ..إلا انه قتل في طريق عودته في سيفاس..مما وضع نهاية لعصيانه ووجه جهد اينجة بيرقدار محمد باشا الى اسماعيل باشا في العمادية.. وكان اسماعيل باشا قد تمكن من الرجوع الى العمادية والتحصن فيها مستفيدا من تحصيناتها الدفاعية ومتخذا اياها قاعدة للأغارة على قرى النصارى واليزيدية عام 1842 فسير اينجة بيرقدار محمد باشا جيشا الى العمادية وجابهت قواته عسكر اسماعيل باشا بالقرب من [عين توثا]، فيما ذكر الصائغ، حيث انهزمت قوات اسماعيل باشا باتجاه القرية المذكورة وأحرقوها بينما عادت قوات اينجة بيرقدارالى الموصل..اما اسماعيل باشا فلملم شتات قواته وقادها الى القوش فقتل غالبية اهلها وانتقل الى روبان هرمز حيث اخرج الرهبان من صياصيهم وشرع بضربهم وتعذيبهم ولما سمع بقدوم قوات الموصل، هرب الى العمادية مصطحبا الرهبان المكبلين بالأغلال رهينة معه..إلا أنه لم يدم له المقام في العمادية اذ سرعان ماداهمته قوات اينجة بيرقدار محمد باشا معززة بقوات عثمانية وحاصرته وتمكنت من الإمساك به واقتياده مكبلا بالأغلال الى الموصل ومنها أخفر الى بغداد حيث انقطعت اخباره مرة والى الأبد..وبذلك يكون اينجة بيرقدار محمد باشا قد طهر الجبل من العصاة الى حين، لأن الجماعات غير المسلمة لم تعتق من شرور الإبادة والإستباحة والغزو حتى الوقت الحاضر..

ولابد في هذا المكان، من الإشارة الى التناقض القائم بين رواية السالنامة العثمانية التي اعتمدها عدد من المؤرخين حديثي العهد من الأكراد كمحمد امين زكي الذي اقتبس مصدرا سليمان صائغ وصديق الدملوجي اللذان نقلا بدورهما عن السالنامة [ربما لغياب أية مصادر أخرى]، من جهة، ورواية عدد من الرحالة كهنري اوستن لايرد، وأينزوورث وكرانت ولاوري، من جهة أخرى، وبخاصة فيما يخص التعامل مع الطائفة الأيزيدية وقتل زعاماتها..إذ ورد في المصادر الكردية والتركية ان اينجة بيرقدار محمد باشا قام بقتل امير الشيخان علي بيك وانه قام بعد عودته من العمادية بذبح زعماء االيزيدية في قرية كرمحمد عرب..بينما ورد في نص واضح صريح للايرد صديق الشيخ ناصر الأسياني ومعاصر باشوات الموصل خلال زيارتين قام بهما للموصل وللمناطق اليزيدية الآتي:

(كان بيك رواندوز القوي “ميركور” الذي وحد القبائل الكردية في الجبال المحيطة تحت زعامته وتحدى الفرس والترك معا لسنوات قد قرر سحق الطائفة اليزيدية، وكانت قوات علي بيك [شيخ اليزيدية] قليلة جدا في عددها مقارنة بقوات ظالمهم [ميركور].. فانهزم من بقى على قيد الحياة وسقط علي بيك اسيرا بيد زعيم راوندوز الذي قتله فورا..وبالنتيجة هرب سكان الشيخان سيرا الى الموصل؛ وكان ذلك في موسم الربيع عندما ارتفعت مياه دجلة وغطت الضفاف.. وقام اهل الموصل بازالة الجزء المصنوع من الزوارق من الجسر [للحيولة دون انجرافه بمياه الفيضان]..مع ذلك تمكن عدد من اليزيدية من عبور النهر بينما بقي من لم يقدر منهم على السباحة من النساء والأطفال والشيوخ على الجانب الأيسر ثم تحركوا للأختباء في تلقوينجق..إلا أن الراوندوزي داهم اليزيدية المعتصمين بالتل وقام بذبحهم بدون رحمة وهم يصرخون ويستغيثون في الوقت الذي ينظر اليهم اهل الموصل من فوق سطوح منازلهم عاجزين عن تقديم العون لهم وهم يستغيثون من غيرما جدوى……وبينما كان مصير الرجال والنساء اليزيدية الذبح من غير رحمة..كان قدر الأطفال من الجنسين البيع في المدن الرئيسة..وكان هذا واحدا من مصادر دخل بدرخان ” زعيم الأكراد في الأناضول” في الوقت الذي جرت العادة على قيام باشوات الموصل وبغداد بأطلاق العنان لقواتهم غير النظامية للأغارة على القرى اليزيدية لتعويض تدني مرتباتهم..مما دفع اليزيدية على تنظيم انفسهم بجماعات تقف على الطرق بهدف الأنتقام من ظالميهم..فكانوا يقتلون اي مسلم يقع بين ايديهم ويغيرون على القوافل ويقتلون التجار دونما رحمة غير أنهم لم يهاجموا المسيحيين لشعورهم انهم ضحية مثلهم لظلم الترك والمسلمين)..

يتضمن نص لايرد مضامين كثيرة منها مايتجلى صريحا في السطور ومنها مايستدل عليه من القراءة بين السطور..واهم تلك المضامين ان العرب لم يعمدوا الى محاربة الأيزيدية أو قتلهم .وأنهم كانوا كالنصارى الكلدان والنسطوريين والأرمن ضحايا للأكراد والأتراك..وأن رواية السالنامة بخصوص قتل علي بيك شيخ يزيدية الشيخان الذي عزته الى اينجة بيرقدار محمد باشا غير صحيحة مما يفترض ان رواية مذبحة كر محمد عرب التي عزتها الى اينجة بيرقدار محمد باشا هي الأخرى غير صحيحة..ومما يزيد النصوص والروايات ارتباكا تكرار اسم محمد في ولاية الموصل بعد وقبل اينجة بيرقدار محمد باشا ولدى الأكراد ايضا؛ ذلك ان اسم ميركورالراوندوزي هو الآخر محمد..مما يرجح قيام محمد ميركور بمذبحة كرمحمد عرب وليس اينجة بيرقدار محمد باشا..وان كاتب السالنامة نقلها عن روايات وليس عن شاهد عيان وبعد مضي وقت طويل على الحوادث التي تناولتها..يؤيد ذلك لجوء اليزيدية الى الموصل بدلا من الجبال بعيد قتل علي بيك امير الشيخان من قبل محمد ميركور الراوندوزي..ولو كان حاكم الموصل ليقتلهم ما كانوا ليؤمنوا جانبه ويعبر من تمكن من عبور النهر منهم سباحة في عنفوان دجلة الى الموصل تحت نظر واليها..مع ذلك فالحقيقة التاريخية ان اليزيدية كانوا على الدوام هدفا لكل رام ولاسيما بعد ان نظموا انفسهم في جماعات هدفها الدفاع عن النفس والأنتقام من ظالميهم ولأن قاعدة الهجوم افضل وسيلة للدفاع يمكن ان يطبقها اي طرف من طرفي النزاع..ونلاحظ في نص لايرد اشارته الى المسلمين بدون تحديد اي جماعة مسلمة كانت! الكرد ام الترك..

ونحن نعلم أن العرب كانوا في ذلك الوقت مدنيين عزل يسعون للنفاذ بجلدهم من الأوبئة والجراد والتجنيد الإلزامي..

الشيخ ناصر ودوره في حماية اليزيدية:

في خضم تلك الحوادث، سعى الشيخ ناصر الإيسياني في المحافظة على الطائفة اليزيدية في حال من الأمن النسبي من خلال علاقاته الشخصية ومراسلاته مع اعضاء الطائفة اليزيدية في العراق وخارجه غير أن المصادر التركية والعربية تلتزم بالصمت المطلق بما يتصل بهذه التفاصيل..وفي الوقت الذي يدعو زعماء الإستيلاء الى الخراب والموت، كان الشيخ ناصر الإيسياني يدعو الى الحياة ونشر المحبة بين الناس على إختلاف طوائفهم وجماعاتهم باستثناء عصابات القتلة ممن سفح دماء اليزيدية وشارك بهدرها..وكانت نتيجة مواقفه تمتين الأواصر بين اعضاء الطائفة أحدهم مع الآخر وبين اعضاء الطائفة كلها من جانب والطوائف والجماعات الأخرى..

فبعد وفاة والي الموصل أينجة بيرقدار، عينت السلطة العثمانية واليا يدعى محمد كريتلي واليا على الموصل عام 1844، [كان لايرد قد زار الموصل عام 1840 عندما كان اينجة بيرقدار واليا على المدينة] وكان هذا الوالي الجديد [محمد كريتلي] مسخا متغولا تحركه شهوة القتل وسلب اموال الناس بأية طريقة بحيث أن ألعديد من أهل الموصل شرعوا بمغادرة بيوتهم والهرب من المدينة، وقد صادف تعيين كريتلي في الولاية وصول لايرد في زيارته الثانية للموصل حيث قابل الوالي الجديد وجاء في وصفه له:

(كان اول اجراء لي عند وصولي الموصل تقديم اوراقي لمحمد باشا [كريتلي] حاكم الولاية. وكان مظهره يماثل مزاجه وسلوكه وبذلك كان مظهره انعكاس لما ينطوي عليه فعلا فالطبيعة جعلت النفاق [التظاهر] في منأى لايطاله ابدا..رأيته بعين واحدة وبأذن واحدة وكان قصيرا وبدينا ينتشر على وجهه أثر الجدري..وكان فظا في حركاته اجهشا في صوته..وكان الناس في وقت وصولي في استياء من ضرائبه وقسوته..هكذا كان الباشا الذي قدمني اليه نائب القنصل السيد رسام)..

نلاحظ ان لايرد في نصه ذكر اسمين الأول محمد باشا (كريتلي) والثاني رسام ويقصد به الأخ الأكبر لهرمز رسام، وزوج شقيقة باجر (متيلدا)، كريستيان رسام المتوفي عام 1872.. وكان ذلك في أواخر عام 1844 اي بعد وفاة اينجة بيرقدار محمد باشا بأشهر..

وفي نص آخر لوليم فرانسيس أينزورث الذي صاحب كريستيان رسام ولايرد في مقابلتهما لأينجة بيرقدار محمد باشا ان رسام كان توسط في كفالة البير سينو الذي حجزه محمد كريتلي بديلا عن الشيخ ناصر الأيسياني بهدف ابتزاز الأيزيدية ودفعهم الى دفع فدية كبيرة:

(عندما كان محمد اوغلو كريتلي باشا في السلطة كان االيزيدية من بين اهداف طمعه وطغيانه فحاك بطريق الغدر والخيانة مؤامرة للأمساك بزعيمهم الديني، إلا أن ناصر الأيسياني تمكن من الإفلات..فامسكت زمرة كريتلي برديفه بدلا منه ووضعوه في سجن في الموصل..وتكتم اليزيدية على الأمر لحبهم لزعيمهم فتحمل بديله [بير سينو] التعذيب والأذى..وتمكن السيد [كريستيان] رسام الذي اتصل به اليزيدية من التوسط فأطلق سراحه مقابل مبلغ كبير من المال تعهد سكان الشيخان بتسديده من محصول حقولهم..ونفذوا تعهدهم بالوقت المحدد ومنذ تلك الأزمة صاروا ينظرون الى القنصل البريطاني باعتباره حاميا لهم)..

وفي الواقع أن الشيخ ناصر الأيسياني كان قد وثق علاقات صداقة قوية مع لايرد واينزورث وكريستيان رسام قبل محاولة كريتلي القاء القبض عليه وايداع وكيله البيرسينو السجن..والشيخ ناصر لم يكن غائبا في أثناء مذابح محمد الراوندوزي للأيزيدية في قراهم ومطاردته لهم في تلقوينجق الذي اخذ اسمه من تلك المذبحة..إذ تعني كلمة كوي انجاق (ذبح النعاج) كما لم ينس اغتيال محمد الراوندوزي لقريبه الشيخ علي بيك ..غير ان العديد من الكتاب الأكراد يميل الى الأئتمار على الذاكرة التاريخية والوثيقة التاريخية لتمويه الصورة والصاق مذابح الأكراد لليزيدية والنصارى على مختلف مذاهبهم بالأتراك فحسب، بل وسحب قباحات عدد من الباشوات الأتراك ومنهم كريتلي باشا (الكريتي) بوجه خاص على أينجة بيرقدار محمد باشا بهدف تبرئة الراوندوزي واسماعيل بيك [حاكم العمادية]، وكلاهما من اغوات الأكراد، من دماء النصارى واليزيدية..

وقد لعب رجال الدين الأكراد دورا غاية في الخبث واللؤم والدنائة تجاه النصارى واليزيدية، فقد كان للراوندوزي بطانة من الملالي على راسهم المللا محمد الخطي الذي التحق وزمرته بعد هلاك الراوندوزي ببدر خان وكانوا يحرضون الزعيمان المارقان على قتل النصارى واليزيدية على انهم كفار وان الملائكة تعمل ليل نهار في بناء قصر في الجنة لكل واحد منهما، وأن القصر لن يكتمل الا بذبح المزيد من اليزيدية ومثله من النصارى كل يوم..

وليس منطقيا أن نذهب الى ماذهب اليه عدد من المؤرخين الجدد ولاسيما التابعين منهم للمؤسسات السياسية حديثة العهد الساعية في تنفيذ برامج قومية وشوفينية في اعتبار زعامات دموية من امثال الراوندوزي او بدرخان أو شكاك وأضرابهم من الجلاوزة أبطالا قوميين لأن القومية لم تصل جبال العراق أو جبال إيران وتركيا في النصف الأول من القرن التاسع عشر ولأن الزمر التي تجحفلت تحت هذه الزعامات كانت تجمعات أمية جاهلة تسعى للتكسب بطريق النهب والإستباحة والعدوان..وكان اليزيدية هدفا لكل رام باستثناء الكلدان والآشوريين الذين استهدفهم العدوان الوحشي للراوندوزي وبدرخان والعصابات المنضوية تحتهما فيما ترددت السلطات العثمانية في حمايتهم لإستثنائهم المقصود من قانون الملل على الرغم من ضغط السفراء الأوربيين في اسطنبول على السلطة العثمانية في اتجاه حمايتهم ..فلابد والحال هذه أن تقع مسؤولية حماية اليزيدية على أمرائهم وبخاصة عندما اتخذ العدوان بعدا دينيا متشددا بتأثير المللا محمد الخطي الذي اصبح مستشارا لدى ميركور الراوندوزي، فشرع له قتل اليزيدية على انهم كفار يعبدون إبليس [طاووس ملك]، وان قتلهم ضرب من ضروب الجهاد في سبيل الله ثوابه الجنة..على ذلك اتجه الراوندوزي بقواته نحو باعذرا، ولأن القرية الصغيرة كانت تحظى بحرمة خاصة لدى اليزيدية لوجود بيت المرجع الديني الأعلى لليزيدية فيها، وكان والد الشيخ ناصر مسنا لايقدر على القتال فاستبق الشيخ علي بيك زعيم اليزيدية الزمني تحرك ميركور راوندوزي بقوة من اليزيدية من الشيخان لاتقارن بالرهط الكردي عددا وتسليحا، لكن اليزيدية قاتلوا باستبسال وشراسة حتى نفدت ذخيرتهم فسقط من بقي منهم أسيرا تحت نار ميركور الذي عمد الى قلع عين واحدة من كل واحد منهم قبل قتله، حتى وصل الى الشيخ علي فعرض عليه الصفح إذا تنكر لعقيدته واعتنق الإسلام، وكانت النتيجة معروفة مسبقا، فاليزيدي لايبدل عقيدته ويبذل دونها حياته، فأمر بقلع عينيه وقتله..وكان ميركور في قلع عيون خصومه يحاول أن يثأر لعيب طبيعي فيه فلأنه أعور كان يقتلع عينا من أي شخص يقع تحت رحمته، وعندما سمعت زوجة علي بيك الأنباء المحزنة، غادرت باعذرا مع ابنها حسين حتى زوال الخطر الكردي..وبعد قرابة عقد من الزمن تجدد الخطر نفسه متمثلا هذه المرة ببدرخان الذي عقد العزم على إبادة النصارى واليزيدية كلهم مدفوعا بفتاوي محمد الخطي نفسه..

ولم يكن الشيخ ناصر في منأى عن المخاطر التي ينطوي عليها العدوان المتكرر على ملته ولاسيما وأن زعامات الشر كانت تستهدف والده واسرته بل وحياته أيضا في باعذرا الواقعة في لحف جبل يتعسكر فيه الأكراد..هذا بالإضافة الى قرابته للشيخ حسين بيك الذي بات شابا يافعا اختاره اليزيدية زعيما لهم خلفا لأبيه، وعندما توفي والد الشيخ ناصر، اصبح بالوراثة زعيما روحيا للطائفة اليزيدية ما وضعه في موضع المسؤولية في حماية الطائفة على حد سواء مع الشيخ حسين زعيم الطائفة الزمني واعضاء الطائفة كلهم وحماية اراضيهم وممتلكاتهم وقراهم المنتشرة من جبل سنجار وحتى اطراف الموصل.. وبدلا من المواجهة المسلحة مع اعداء الملة، اختار الشيخ ناصر الإيسياني طريق الدبلوماسية للمحافظة على سلامة الطائفة في حال تعرضها للمزيد من المخاطر، فبدأ بالتحرك في ثلاثة اتجاهات تمثل الأول بتمتين العلاقات اليزيدية مع القنصلية البريطانية في الموصل من خلال كريستيان رسام وهنري اوستن لايرد، وبيرسي جورج باجر،وتمثل الثاني بتنظيم الخطوط الدفاعية لليزيدية في جبل سنجار تحت قيادات من يزيدية ميركان في حال تعرض المنطقة للخطر، اما لإتجاه الثالث فتمثل بالمحافظة على الطائفة اليزيدية في سورية وجورجيا بطريق ربطها بالمركز الديني في لاليش بإرسال وفود في كل سنة واستقبال الحجيج الى لاليش في المناسبات الدينية من هذه المناطق النائية..

وكان الشيخ ناصر قد أفلت من كمين نصب له والي الموصل محمد كريتلي بهدف ابتزاز اليزيدية، وبفضل القنصل البريطاني كريستيان رسام والآثاري الشهير هنري أوستن لايرد كما اسلفنا، ما دعاه الى الإسراع بإرسال دعوة لهما لحضور الإحتفال السنوي الذي يقيمه اليزيدية في روضة الشيخ عدي بن مسافر الأموي المعروفة ايضا بمعبد لاليش..فاعتذر كريستيان رسام عن حضور المناسبة بينما وجد لايرد فيها فرصة نادرة للتعرف على تقاليد هذه الطائفة الفريدة وأسرارها فشرع في اليوم التالي بالسفر الى لاليش مرورا ب باعذرا فالجراحية ، وكان الشيخ حسين الزعيم السياسي لليزيدية يسكن في باعذرا فطلب منه قبول دعوته في بيته في باعذرا حيث امضى الليل وفي صباح اليوم التالي ولدت زوجة حسين بيك طفلا طلب أبوه من لايرد ان يسميه [وهو تقليد مايزال اليزيدية يحافظون عليه] فأسماه علي وهو اسم جده الذي قتله ميركور راوندوزي، وصادفت تلك الولادة مناسبة زيارة الشيخ عدي بن مسافر الأموي في لاليش حيث اصطحبه رئيس الطائفة الديني الشيخ ناصر الأسياني والشيخ حسين زعيمها السياسي لإمضاء ثلاث ليال في لاليش يصف خلالها وعلى نحو زاه تفاصيل الطقوس اليزيدية في الشيخ عدي ويتطرق الى تفاصيل العقائد اليزيدية واقسام الطائفة..وبعد انتهاء الزيارة اخبر لايرد الشيخ ناصر عن عزمه لزيارة بلد سنجار وجبلها بصحبة والي الموصل طاهر باشا الذي أعقب محمد كريتلي الذي سحبت السلطة العثمانية يده من الولاية..فوجد الشيخ ناصر في سفر لايرد الى سنجار مناسبة لإرسال رسالة الى يزيدية سنجار على الرغم من معرفته بنية والي الموصل مهاجمة اليزيدية هناك..وكالعادة لم يفلح لايرد في محاولته إقناع والي الموصل بالعدول عن الهجوم على يزيدية ميركان لأن السلطة العثمانية تنوي إخضاعهم للضرائب وانتزاع قطعانهم وتأمين البريد المار بمنطقتهم في شمالي سورية ومنطقة سنجار..ولأن الشيخ ناصر يعرف مدى خطورة توظيف لايرد في حمل رسالته عندما يكون في طريق سنجار بصحبة والي الموصل طاهر باشا فإنه كان يراهن على أمانة لايرد وشجاعته ووقوفه الى جانب اليزيدية في دفاعهم المشروع ضد العدوان العثماني..وفيما يأتي ترجمة لرسالة الشيخ ناصر الى العربية عن ترجمتها الإنكليزية، وهي أول ترجمة لها:

( وقبل مغادرتي الى عين سفني وضع الشيخ ناصر في يدي رسالة كتبها مساعده موجهة الى أهل سنجار، وكنت قد اخبرته قبل ذلك بنيتي زيارة المنطقة بصحبة الباشا فوعدني بإرسال قوال يسبقني وآخر يصحبني لإعداد القرى في تحضير افضل استقبال ممكن لزيارتي لها او مروري بها ولأن الرسالة وثيقة فريدة وغريبة ترد على لسان الشيخ اليزيدي نفسه أرى ضرورة ترجمتها، وهي كالآتي: [السلام دائما على اصدقائنا المحترمين الأحباء اهالي بكرة، لعيسو “اوسسو” وغرة ولحسن الفقير ولكل سكان القرية كبيرهم وصغيرهم، وسلامي أيضا لأهل ميركان: لعلي وخالطو،ولداود ابن عبدول ولكل أهالي القرية كبيرهم وصغيرهم، وسلامي لأهالي أوسافا ل قولو وللشيخ علي وللجميع كبيرا وصغيرا وسلامي لقبيلة دينا، ولمراد وللكبار والصغار، كما أوجه سلامي الى أهالي عمرا لتوركارتو ولقاسم أغا وللجميع كبيرهم وصغيرهم، وسلامي الى أهالي السموكية والكيرانية كبيرا وصغيرا، وسلامي الى فوكرا ريزو الذي يسكن في كولاب، وأسلم ايضا على اهالي بلد سنجاركبيرهم وصغيرهم وسلامي الى سكان جبل سنجار، كبيرم وصغيرهم. أسأل الله تعالى أن يحرسكم جميعا، لم ننساكم في دعائنا عند الشيخ عدي أعظم الشيوخ ومن أعاظم الخاسين “الصالحين”، بالنا معكم ولاتفارقون تفكيرنا ليلا او نهارا، سوف يزوركم صديقا محبوبا من اصدقائنا ومعه القوال مراد لتستقبلوه بكل اللطف والإحترام، وكما تستقبلونه تستقبلوني وإن اسأتم إليه تسيؤون الي.. ولأنكم ابناء مطيعون ومخلصون للشيخ عدي رئيس الشيوخ كلهم أوصيكم بعدم أهمال وصيتي هذه لكم وليرعاكم الله تعالى دائما

المتشفع لكم

الشيخ ناصر الكبير])..

يعرب الشيخ ناصر في رسالته لأهالي سنجار ان يزيدية سهل نينوى وأطراف الموصل يقفون الى جانب أخوانهم في منطقة سنجار وجبلها، وبخاصة يزيدية ميركان الذين يتصدون للعدوان العثماني من الشمال والجنوب على نحو متواتر، ويقدمون الضحايا حفاظا على اراضيهم ومعتقداتهم وما تأكيده على ذكر أسماء اليزيدية وتحيته لهم صغارا وكبارا الا بهدف تمتين اللحمة بين اعضاء الطائفة كلها، ولكن العدوان كما ترينا التجربة التاريخية، لايرد بالنوايا الحسنة وبالدعوات، على ذلك لم تجد محاولات لايرد مع طاهر باشا في درء العدوان، تماما كما لم تجد محاولات الدكتور كرانت قبل ذلك في ثني بدرخان عن غزو الكلدان وابادتهم وتهجير من افلت منهم قبل ثلاث سنوات..ويبدو من تتبع سياق الحوادث خلال سفرة لايرد الى جبل سنجار أنه سلم رسالة الشيخ ناصر للقوال مراد ليوصلها الى ميركان وبلد سنجار، لأنه كان مشغولا طيلة الرحلة في متابعة حملة والي الموصل طاهر باشا على اليزيدية والتخفيف من وطئها قدر الممكن على اليزيدية في تلك الأنحاء..

والملاحظ انه تتبع في وصف نادر تفاصيل الحملة من سراي الموصل حتى جبل سنجار وتفاصيل الحملة التي تميط اللثام عن معركة نادرة خاضها يزيدية ميركان دفاعا عن انفسهم ضد قوة كبيرة تهدف ابادتهم، لذا أرى ضرورة ترجمتها كاملة بعنوان خاص بها في سياق حديثي عن الشيخ ناصر الإيسياني وطائفته في العراق:

ميركان:

يبدأ لايرد وصفه للحملة من بداية إنطلاقها في سراي الموصل مبديا مفارقات الفخفخة الفارغة المميزة للسلطة العثمانية حتى في ولاية عربية كالموصل:

(كان أفندي الديوان[ديفان أفنديسي]، ووظيفته القلم، أول من يظهر عند بوابة السراي، وبدا ضاجا مرتبكا [مخبوصا] بشأن السيف والمهاميز يتبعه الكتاب وحملة منضدة الحبر والدواة..وعند باب الحريم يقف عددا من الأغوات في وضع استعداد وتوفز شديد ومن ضمنهم رئيس الخاولي، ورئيس حوض الإغتسال ورئيس العباءة [البرنص]، ورئيس طاقم عمال القهوة، ورئيس حملة الجوبك [غليون طويل لتدخين السكائر]، والخازن [مسؤول الخزينة]، وحامل الأختام، وبعد وقت قصير، ظهر الباشا نفسه وامامه عدد من القواصين يقومون بتخلية الطريق امام خطواته وحالما وضع سعادته قدمه في ركاب الحصان، انطلقت رشقة من الأبواق معلنة بداية تحرك الموكب الى الأمام تتقدمه في البداية كتيبة مشاة تبعتها مجموعة من حملة المدافع مع اسلحتهم، فحملة الأبواق والطبول يلى ذلك حملة راية الباشا وهي قطعة قماش من الحرير خضراء مزخرفة بخيوط ذهبية تزينها آيات القرآن وخلف حملة الراية ستة رجال يقودون ستة خيول عربية مهطمة تزين سروجها وشاحات زاهية الألوان تتبارق بالألوان الذهبية والزخارف الزينية..أعقب ذلك الباشا يحف به كبار المسؤولين في المدينة وموظفي السراي..ثم تذيل الموكب برهط من الخيالة غير النظاميين [الباشي بوزوق] بمجاميع في مقدمة كل منها قائد يسير خلفه عدد من الهيتة يحملون طبولا صغيرة مربوطة بسروج خيلهم، وكان بصحبتي قواصي الصغير وخدمي الشخصيين..وبعد ثلاث ساعات عند الغروب وصلنا قرية مديات وهي قرية خربة على ضفة دجلة حيث تفاجئنا بعدم إعداد السراي لأي تموين أو طعام ، ولم يكن هناك أي علف للخيول أيضا، ليمضي الجميع الليل على معاد خاوية)..

ثم يواصل لايرد وصفه للطريق والأماكن التي يمر بها بقرية أبومارية وتلها [تل أبقو الأشورية] ثم تلعفر [نيميت عشتار الآشورية]،وقلعتها حتى يصل جبل سنجار، لنتعرف معه على قرية ميركان، وهنا نتابع مشاهداته بقلمه:

(كنا قد شاهدنا خلال اليوم التالي العديد من الخرب ومجاري المياه ومعظمها جداول ضحلة او ناضبة من المياه في هذا الموسم، ولكن تتجه عندما تمتليء في اثناء الشتاء الى وادي الثرثار المار بالقرب من آثار الحضر لتصب في النهاية ببحيرة تقع الى الجنوب من تلك الآثار..وفي مساء اليوم التالي، عسكرنا في السهل عند الطرف الجنوبي لجبل سنجار وتحت قرية ميركان التي تنتشر بيوتها البيضاء أحدها فوق الأخر عبر منحدر الشق الجبلي..هنا أستقبل الباشا شيوخ الجبل كلهم باستثناء شيوخ ميركان حيث نصب معسكرنا..وميركان هي إحدى المواطن اليزيدية الرئيسة في سنجار، تعرض اهلها لإنتهاكات كبيرة كان آخرها قتل عدد كبير من يزيدية ميركان في حملة محمد باشا [بيرقدار] على الجبل..وكانوا يتوقعون تكرار المجزرة على أيدينا [يقصد باشا الموصل الجديد]، ولايمكن لأي تعهد بالأمان إزالة مخاوفهم لذلك عقدوا عزمم على القتال دفاعا عن أرواحم و قريتهم..فأرسل الباشا ضابطا من خاصته مع عدد قليل من الهيتة [الباشي بوزوق] غير النظامية، لطمأنة اليزيدية وكسب طاعتهم، فصاحبت الضابط ورهطه..ولكننا جوبهنا عند دخولنا القرية برشقة من الأسلحة النارية..وكان ضابطان غير نظاميين قد اندفعا على نحو مفاجيء لايخلو من رعونة وعدم احترام امامنا والضابط الى جانبي، فكان قدرهما الموت عند أقدامنا بينما اصيب عدد آخر بجروح..فأمر الباشا، الذي أغضبته تلك الهجمة المبيتة والعبثية علينا، بتقدم الهيتة والعرب غير النظاميين من المتعطشين للنهب، نحو القرية..وكان اليزيدية قد غادروها ولاذوا باخدود ضيق في الجبل تحميه الصخور والشقوق الجبلية [شكفتات]..في تلك الأثناء سيطر الهيتة على كامل القرية ودخلوا بيوتها بيتا بيتا بحثا عن أي شيء تركه اليزيدية لينهبوه، فلم يعثروا الا على نزر ضئيل [يكتفي معظم اليزيدية في بيوتهم بالنزر القليل من الأثاث والكماليات ولايحتفظون بأية مظاهر للثراء كالذهب والمجوهرات أو الثياب الفاخرة] ..ولم يبق في القرية سوى عدد قليل من الرجال المعوقين والنساء المرضى ممن لم يقدر على المغادرة ففضل الإختباء في غرف صغيرة معتمة، فكان قدرهم القتل ثم قام الهيتة بقطع رؤوسهم وشرعوا بإحراق القرية التي التهمتها النيران بل ان الباشا نفسه اسرع على الرغم من شعره الأشيب وخطواته المتعثرة وسط الخرائب المشتعلة حاملا مشعلا ليتمم حرق أي مكان لم تطله النار، فقد استيقظت فيه تلك الروح التركية القديمة المتعطشة للقتل والتخريب ما أدى الى تسوية البيوت مع الأرض ..غير أن أهلها مازالوا بأمان..

عندئذ، وبعد نهبهم كل ماعثروا عليه ممما تركه اليزيدية من ممتلكات نزرة، وحرقم القرية، إندفع الهيتة بسرعة نحو الأخدود لايخامرهم أي شك بأن اليزيدية سيغامرون بمواجهتهم..إلا أنهم استقبلوا برشقة حازمة جيدة التصويب من الإطلاقات، فسقط أكثرهم قتلى بحيث لم يبق من قوة الصولة أحد..وكانت الشقوق [الشكفتات] المحمية بالصخور في موقع مرتفع، ماجعل مصير أي محاولة للوصول اليهم الفشل.. فاستمرت المواجهة حتى المساء عندما تقهقرت قوات الباشا هابطة المعنويات مهزومة [كلمى هزيمة] الى خيامهم.. وفي المساء قام الهيتة [بأمر الباشا] باستعراض رؤوس الرجال البائسين والنساء المعوقات التي قطعوها وجلبوها من القرية بين الخيام..وكأنهم باستعراضهم لهذه الرؤوس الدامية يتفاخرون ببطولاتهم ويتطلعون الى مكافأة على فعلهم الشنيع..فتحدثت مع الباشا، الذي اقنعه الهيتة ان الرؤوس المقطوعة هي لشيوخ أقوياء، أن يأمر بدفن هذه الرؤوس البائسة التي رصفها قادة الهيتة احدها الى جانب الآخر وأشعلوا فيها النار غير مبالين بأمر الياشا بدفنها الذي لم يتم حتى وقت متأخر من الليل..وفي صباح اليوم التالي، تجدد القتال لكن اليزيدية دافعوا عن انفسهم بحزم أكبر وبشجاعة فائقة..وكان أول المغامرين بالدخول الى الأخدود قائد مجموعة من الهيتة يدعى عصمان أغا وهو من اللز [اقلية من اصول ابخازية توطن جزء من الساحل الغربي للبحر الأسود الى الغرب من جورجيا ترفد الترك بالمرتزقة]، فتقدم بجرأة على رأس رهط والى جانبيه إثنان من الدمبكجية يعتمر كل منهما قبعة يتدلى من كل منهما ذيل ثعلب، فلم يكد يتقدم خطوة في الوادي حتى انطلقت رصاصتين من بين الصخور اسقطت صاحبيه ميتين بلا حراك..فاندفع الرهط صوب الصخور في محاولة للوصول الى الشكفتات التي يحتمي فيها المدافعون لكنهم سرعان ماتقهقروا بين مذعور وقتيل وهارب يلعق جراحه..ولم يكن أحد ليعرف مصدر النيران لولا الدخان الصادر من وراء الصخور معلنا عن حضور المقاومة واستبسالها..وتواصل القتال طيلة نهار اليوم الثاني ولكن من غيرما نتيجة حاسمة سوى سقوط أعداد كبيرة من الهيتة بينما لم يجرح أو يقتل يزيدي واحد ولم تقدر قوات الباشا على الوصول الى مصدر النيران، مضت ليلة أخرى وفي صباح اليوم الثالث أمر الباشا بشن هجوم جديد..ولكي يشجع قواته غامر بالدخول بنفسه الى الأخدود ثم طلب من الخدم فرش سجادة فوق صخرة [محمية]حيث جلس مبديا حالة من عدم المبالاة بينما شرع بتدخين جابوقه والتحدث معي على الرغم من أنه كان مستهدفا من قبل اليزيدية. وكان اشخاص على بعد اقدام منا يسقطون قتلى بينما تذر كرات المدافع الساقطة في وجوههم الأتربة والرماد..ثم جلبت القهوة حتى نفد جابوقه من التبغ..وعلى الرغم من ذلك فهو ليس جنديا بل صاحب قلم ..وكنت قد شاهدت مثل هذا الموقف لدى الأتراك عندما يبدون عدم المبالاة في وقت لايستدعي ذلك وهذه حال لايمكن محاكاتهم فيها من قبل اي اوربي في مثل هذه المواقف، ولكن وعلى الرغم من محاولة سعادته نفخ روح الشجاعة في قواته، فإنهم لم يحرزوا أدنى تقدم في القتال ولم ينجحوا في تحريك اي يزيدي من موقعه..وكان رجال الباشا ورهطه يحملون خارج الأخدود الذي تهيمن عليه نيران اليزيدية بين قتيل ومحتضر واحدا تلو الآخر..وكان الجرحى يحملون الى الباشا الذي يقدم لهم الماء او يعطيهم بعض المال وكلمات التشجيع..وكان قاضي المعسكر “أوردو قادسي” يؤكد لهم انهم يقاتلون الكفار وأن اي شخص يسقط في قتال اعداء الله ونبيه يدخل الجنة، وكذلك كل من يقتل شخصا من غير المسلمين يحظى بأجر عظيم وهكذا يشعر المحتضرون بالإرتياح ويندفع المقاتلون لمزيد من الموت من جراء وعود القاضي وضلالاته بينما يحرص على ابقاء نفسه دائما بعيدا عن مواطن الخطر..وكان رجلا متعصبا ولدت لدي بدانته المريحة وشعوره المفرط بالرضى عن نفسه واستعلائه، شعورا قويا بالغضب والتقزز، وبخاصة عندما إقترح على الباشا أن أقوم بعرض الأمان بنفسي على اليزيدية بالقسم وكالة عن الباشا، وأنهم عند تأمين حياتهم نتيجة القسم، سوف يستسلمون أن قمت أنا بهذا، فرد الباشا ملامسا [منعما] لحيته ” اليزيدية كفار وهم في الفئة نفسها التي يقع فيها غير المسلمين، مديرا عينيه علي، ولأنهم لايفهمون حقيقة الأيمان بالله ونبيه، فانهم لا يفهمون معنى القسم أي ان القسم لن يكون ملزما لهم لذا يكون تقبل القسم غير متوفر لانه يتطلب وجود طرفين [اي من يطلق القسم ومن يتقبله]، وفي هذه الحال لايكون بمقدورك ذبحهم أذا أستسلموا نزولا على القسم الذي تؤمن انت به [وتفهمه]، على الرغم من أن واجبك كمسلم هو أن تقوم بذلك [ذبحهم] لأن غير المؤمنين هم أعداء الله وأعداء النبي” ثم أكرمني بالقاء النظرة نفسها علي مرة أخرى” [لأن ماينطبق على اليزيدية لأنهم غير مسلمين، ينطبق على النصارى “المشركين” أيضا]..وحالما غادرنا القاضي بصفته ممثلا للشرع رأى الباشا انه من الضروري توجيه النقد لتلك الأحكام الوحشية مؤكدا لي أن القاضي حمار..وان هذا المتشدد نصف كردي ونصف عربي وهو نموذج للعديد من شيوخ الأكراد الذين يعيشون في الجبال وفي المدن الواقعة في أطرافها وانهم لايألون جهدا في تحريض المسلمين على المسيحيين ويدفعونهم لسفك دمائهم..ولست بحاجة للقول أن اي تركي أو مسلم محترم لايشاطرهم رأيهم الشنيع هذا، ومن المؤمل، بعد استتباب سيطرة الباب [السلطة العثمانية] على الجبال، أن لا تؤدي هذه التحريضات المميتة الى مذابح لرعايا السلطان من المسيحيين)..[من الواضح ان الباشا يكذب في الجزء الثاني من هذا الكلام، فصحيح ان المتشددين من الملالي يحرضون على قتل النصارى واليزيدية، لكن الأتراك يشاطرونهم الرأي ويعمدون الى قتل النصارى واليزيدية بأنفسهم أو بالوكالة، وما أدل على كذبه من حملته الراهنة على ميركان]..

ثم يعود لايرد الى مسرح المعركة في جبل سنجار:

(ثم قام الباشا بتحريك عددا من المبادرات لدفع اليزيدية على الإستسلام، وكاد ينجح، لكن اقتراب الليل تزامن مع تموقع قوات الباشا النظامية وغير النظامية في المقتربات ووراء الصخور المؤدية للأخدود الذي اتخذ منه اليزيدية ميدانا للقتال ، ومع حلول الفجر استأنفت قوات الباشا إطلاق النار، فلم تصدر أية إشارة على الدفاع من اليزيدية من الطرف الثاني للأخدود..فاندفع الهيتة باتجاه مواقع اليزيدية ليتفاجأوا بغياب أي رد أو إطلاق نار مماثل لليوم السابق فتوقفوا خوفا من فخ أو كمين محتمل ثم وصلوا نهاية الأخدود دون أن يواجههم أحد ولو بطلق رصاصة واحدة، ومضت دقائق قبل أن يغامروا بالنظر الى مخابيء اليزيدية، ليرون أنها فارغة تماما..فقد هرب اليزيدية في اثناء الليل وغادروا مكامنهم من خلال ممر لايعرفه غيرهم ودون أن يشعر الأتراك بأي شيء..ولم يكن في المكان سوى تماثيل لرجال وأجداء معمولة من التين الجاف ومنصوبة على رؤوس أعواد، فحملها المنتصرون [استخدم لايرد هذه الكلمة على سبيل المفارقة والسخرية] الى معسكرهم على انها ارباب يعبدها اليزيدية فاعرب الباشا عن رضاه بهذه النتيجة بينما أمر القاضي بوضع تماثيل التين في علبة وحملها الى القسطنطينية بواسطة تتر [ساعي بريد] خاص، وبينما ابقى الباشا معسكره بالقرب من ميركان، أنتقلت انا لزيارة مزيد من الأماكن في سنجار وبلدتها..

على ذلك فلابد أن يكونلنفوذ الشيخ ناصر في ميركان التي تقع في شمال المنطقة اليزيدية، وهي مناطق لاتقل أهميتها بالنسبة للطائفة عن الجنوب اليزيدي في أنحاء الشيخان وباعذرا والموصل، الى جانب رسالته اليهم تأثيرها في مقاومتهم الباسلة للعدوان التركي..

لكن الحصول على معلومات حميمية عن الشيخ ناصر في محل إقامته يقتضي الإنتقال الى مصادر أخرى.

وفي الواقع، فليس من اليسير الحصول على معلومات وافية وتفصيلية وشخصية عن الشيخ ناصر الإيسياني لأن المصادر المختلفة لاتعنى عموما بالشخصيات اليزيدية وغالبا ما تتناول اليزيدية بصفتهم طائفة دون الإهتمام بالتفاصيل كالشخصيات والحوادث المهمة في تاريخ هذه الطائفة التي تعرضت لظلم كبير من قبل الجماعات المجاورة لها، وبخاصة خلال القرن التاسع عشر الذي برزت فيه ظاهرة الإبادة الجماعية للجماعات الواطنة في شمالي العراق وآسيا الصغرى..ويصدق الشيء نفسه على شخصيات آشورية بطولية قاتلت قوى عنصرية غاشمة فكان قدرها القتل والتغييب من صفحات التاريخ كمار شمعون وملك اسماعيل..غير أن تتبع تفاصيل أدبيات الرحلة ومدوناتها في منتصف القرن التاسع عشر تقدم وثائق على قدر كبير من الأهمية على هذه الشخصيات ومقاومتها الباسلة في الدفاع عن مواطنيها والمحافظة على هويتهم الإثنية والعقيدية، ولأن هذا النوع من الرجال غالبا مايتصف بالتواضع وينأى بنفسه عن الظهور، بات ايجادهم في صفحات التاريخ أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش.

على ذلك ترتب علينا البحث الحثيث في أدبيات الرحلة للقرن التاسع عشر كلها مع تغيير بؤر الإهتمام في صدد إكمال الصورة الشخصية بتفاصيلها كافة للشيخ اليزيدي ومواقفه وجهوده ودوره..هنا نتعرف على رحالة آخر وضع نصب عينيه الإهتمام بسكان شمالي العراق الأصليين المتمثلين بالطائفة الإثنية الكلدو آشورية التي اسماها (النسطوريين)، والطائفة الأثنودينية المعروفة باليزيدية..وهذا الرحالة هو الكاهن التبشيري وعالم الآثار والأديان المقارنة جورج بيرسي باجر الذي صاحب جيمس فليجر بالرحلة الى شمالي العراق والموصل للفترة 1842 وحتى 1844، ثم مرة أخرى عام 1850.. وباجر هو نسيب القنصل البريطاني في الموصل (كريستيان رسام) زوج شقيقته (ماتيلدا) المقيمة مع امها في الموصل..وقد كرس جانبا من إقامته لزيارة القرى اليزيدية وحضور الإحتفالات والمناسبات الدينية والإجتماعية لليزيدية وبخاصة في أنحاء الموصل..وقد تعرف في سياق زياراته المتكررة لقرى اليزيدية وبصحبة شقيقته زوجة القنصل البريطاني كريستيان رسام على الشيخ ناصر الذي رحب به وخصه بكثير من المعلومات وصاحبه في زياراته القرى اليزيدية ومعهم الشيخ حسين الزعيم السياسي للطائفة ..ونتعرف في روايته عن جوانب مختلفة من شخصية الشيخ ناصر ومهماته في الطائفة..ونستهل الحديث بسرد موجز لمهمات الشيخ ناصر أورده في كتابة [النسطوريون وطقوسهم]:

(يعد الشيخ ناصر الشيخ الأقدم والأسمى مكانة في الطائفة اليزيدية فهو يقابل في مركزه الديني في طائفته الحبر الأعظم في الكنيسة الكاثوليكية، وهو يكتسب مركزه الديني بطريق الوراثة عن ابيه وجده بالإنتقال الى الإبن الأكبر..ومن مهام الشيخ ناصر إدارة الشؤون الدينية كلها للطائفة ومنها الإشراف على الشعائر المقدسة للطائفة في أوقاتها، وتأمين طرق الحج الى المزارات وابرزها معبد لاليش حيث يشرف على استمرار رعاية مزار عدي بن مسافر الأموي والشيخ يزيد وغيرهما من المراقد ويقوم بتعيين الناظرين عليها..ومن مهماته إيفاد المعلمين [القوالين] الى القرى والمقاطعات اليزيدية في داخل العراق وخارجه، وينظم مهام البيورة الآخرين والكواجك، ويحافظ على السناجق السبعة ويشرف على ارسالها الى المقاطعات اليزيدية في القفقاس وسورية..كما يقوم بالإشراف على التعميد بماء زمزم [ أسماه اليزيدية زمزم تيمنا ببئر زمزم في بيت الله الحرام، وهو جدول ماء في لاليش يعمد فيه المواليد الجدد خلال سبعة أيام من ولادتهم]، ويحضر مناسبات الزواج ويباركها.. ويمتلك الشيخ ناصر أملاكا كبيرة ويعنى بأراض زراعية واسعة..ويزور القرى اليزيدية المجاورة مرتين كل سنة لجباية العطايا والتبرعات المجانية ومنها مايستجلبه وفود السناجق من البلدان المجاورة) يضاف الى ذلك إدارته للعلاقات الخارجية بين الطائفة اليزيدية والطوائف الأخرى كالنصارى والمسلمين باستثناء الأكراد الذين تمثلت علاقتهم باليزيدية بالعدوان والإستباحة..وكانت علاقة الطائفة بالسلطة العثمانية لاتقل سوءا عن علاقتها بالأكراد لأن العثمانيين وولاتهم كانوا يتحينون الفرص للتنكيل باليزيدية وقتلهم كما رأينا في روايات لايرد..ولعل افضل ما تفرد به الشيخ ناصر أقامة اواصر متينة مع الرحالة والتبشيريين والآثاريين بنية إيصال مطالبهم ومعاناتهم للسلطة العثمانية وللدوائر العالمية في عواصم الغرب..فكان الشيخ ناصر يعرف مسبقا أن اي مطلب يتقدم به الى السلطات العثمانية باعتبارهم ملة وشمولهم بقانون حماية الملل، مصيره الرفض، فلجأ بدلا من ذلك الى الأجانب لينقل اليهم ما لايمكن توصيله الى العثمانيين الغاشمين..والى ذلك يعود طلبه من باجر اعفاء اليزيدية من التجنيد الإلزامي لتنافره مع معتقداتهم هنا يخبرنا باجر:

(عندما وصلنا البيت زارنا الشيخ ناصر وبصحبته الشقيق الأصغر للشيخ حسين بيك ” الزعيم الزمني للطائفة اليزيدية”، ومعهما عدد كبير من القوالين والخدم، وبدا الشيخ ناصر رجلا هادءا شديد التواضع تظهر على وجهه ملامح اللطف والحزن في الوقت نفسه وتحدث بعاطفة شجية عن ألأذى الذي لحق اليزيديين المساقين للخدمة في الجيش العثماني فقال أنهم لم يتعرضوا لإهانات الجند التركي واضطهادهم فقط، بل فرض عليهم إرتداء بزة لونها محرم على اليزيدية وهذا يتنافر مع عقيدتنا واجبروا على أكل طعام محرم والذهاب الى الحمام وكل ذلك يعد إثما في الطائفة..وقد عرفت فيما بعد أن اللون الذي أعترض الشيخ ناصر عليه هو اللون الأزرق وبخاصة الأزرق الغامق وان الخضراوات المحرمة هي الخس واللوبيا واللهانة والقرنابيط وما اليها من خضراوات مماثلة كالملفوف “الكرنب” بانواعه والقرع..وكانت هناك وجبة سوق جديدة للجندية القت بظلالها الكئيبة على الشيخ ناصر واليزيدية كلهم)..

ويبدو أن باجر وشقيقته فضلا أيجار بيت في بعشيقة للإطلاع عن كثب على اليزيدية وعاداتهم، وان الشيخان ناصر وحسين بيك قد استحصلا هذا البيت لهما، وهنا يخبرنا باجر عن حادثة أخرى تتصل بالشيخ ناصر والتقاليد اليزيدية التي يحرص على رعايتها والمحافظة عليها وذلك في اثناء زيارته الثانية للموصل عام 1850:

(تعد بعشيقة وبحزاني القريتين المتصلتين أحدهما بالأخرى من أشهر القرى التي تحتظن اليزيدية في الموصل، فهما موطن العديد من الإحتفالات والمناسبات الدينية لليزيديين، وكنت غائبا في منطقة تياري النسطورية عندما جرى الإحتفال السنوي الكبيرفيهما لكن السيدة باجر [امه] صاحبت أختي [ماتيلدا] والسيد [كريستيان] رسام في زيارة لبعشيقة ودونت العديد من الملاحظات حول تلك المناسبة ساضمنها هنا لتوضيح العادات الدينية لليزيدية كمقدمة لملاحظاتي المتصلة بعبادتهم لطاووس ملك [ في الأول من نيسان 1850]..

بعد عودتنا الى البيت، زارنا حسين بيك، الزعيم الزمني لليزيدية الذي حضر للمشاركة في الإحتفالات، وقد عرفنا من تفاصيل المناسبات السابقة بوجود نوع من الحسد يضمره الشيخ حسين للشيخ ناصر بسبب النفوذ الكبير الذي يتمنتع به الشيخ ناصر لدى الطائفة، والشيخ حسين مجرد صبي لديه ثلاث زوجات في عمره هذا [نعرف من خلال زيارة لايرد للشيخ حسين قبل اربع سنوات في أواخر عام 1844، أن الشيخ حسين كانت لديه زوجتين عندما رزق من زوجته الثانية بطفل طلب من لايرد تسميته فأسماه علي، بما يدل على أن عمره آنذاك كان في الرابعة أو الخامسة عشرة، ليرزق بأول طفل له، وأن عمره أصبح قرابة عشرين سنة في أثناء زيارة باجر الثانية عام 1850، لأن الأخير نعته بالصبي “الغر” ]، وقد علمنا أن والده كان يتزوج في كل اسبوع زوجة جديدة..وعندما سمعنا أن طاووس ملك سوف يعرض في القرية، أسرعنا لمعرفة كل التفاصيل المتصلة به..وقد أخبرنا الشيخ ناصر الذي تناول، وبصحبته الشيخ حسين وعدد من كبار البيورة والقوالين، العشاء معنا هذا المساء أن طاووس ملك سوف يجلب في موكب من بحزاني الى بعشيقة في اليوم التالي..على ذلك عقدنا العزم على الإسراع لمشاهدة هذا الصنم الغامض. وعند وصولنا مشارف القرية، سمعنا أصوات الموسيقى [الطبول والمزامير، ويطلق عليهما في العامية طبل وزرناية] فانطلقنا الى مصدر الصوت فرأينا الموكب يتقدم ببطء ولكننا لم نلمح السنجاق لأنهم أخفوه عنا حالما اقتربنا من الموكب، فوقفنا نشاهد بصمت بينما تتعالى أصوات الطبول والدفوف والمزامير.وكان أثنان من البيورة يتقدمان حامل الديك المقدس وبأيديهما مباخر مشتعلة يلوحون بهما يمينا وشمالا لنشر رائحة البخور..وكانا خلال مرورهما وسط المشاهدين الواقفين الى جانبي الطريق ينحنيان انحناءات العبادة متمتمان جملا غير مفهومة بينما يغمران ايديهما في الدخان الصادر عن المبخرتين معطرين وجهيهما وأذرعهما بالبخور المتصاعد، ثم حمل السنجاق الى بيت الكهيا الكبير وهو شيخ القرية لأنه فاز في القرعة بافضل عرض “مالي” في أيواء السنجاق في هذه المناسبة] ليومين في بيته، تعلق خلالها الممارسات الدنيوية كافة. ولأننا مابرحنا تواقين لمعرفة المزيد عن هذا الرمز المقدس، طلبنا من الشيخ ناصر السماح لنا بمشاهدته عن كثب، فوافق بعد عنت وتمنع على زيارتنا لبيت الشيخ حيث يستضاف السنجاق في صباح اليوم التالي عندما يذهب أهل القرية في طقس ديني لهم الى العين الصفرا، واشترط علينا أن نذهب بصحبتي اختي لوحدنا..وعند حلول الموعد جاء يزيدي محترم لأخذنا الى المكان فذهلنا لأزدحامه بالناس، ثم أشير الينا بالدخول في حوش واطيء مفتوح حيث يجلس قرابة ثلاثين قوال وبير في سافين متقابلين..وعند دخولنا وقف الجميع، وبعد التحية المعروفة في الشرق، قدمت لنا القهوة لكن الشيخ ناصر لم يحضر ولم نشاهد اي شيء يدل على وجود الديك..وعندما سألناهم أن كانوا قد تلقوا تعليمات ليرونا السنجاق [السنجاق تعني راية ، وهي الكلمة التي يطلقها اليزيدية على الديك الذي يرمز أو يمثل طاووس ملك]، رد الجميع بالنفي، وأكدوا لنا ان السنجاق لايمكن عرضه مالم يكن الشيخ ناصر أو الشيخ حسين حاضرا..ولكي نكسر الصمت والعيون المحدقة ببلاهة بنا، خرجنا من البيت وطالبنا بحضور الشيخ ناصر وتنفيذ ماوعدنا به، فعاد الشخص الذي أرسلناه الى الشيخ ناصر وقال ان كل شيء جاهز، ولكن يجب الا يصاحبنا أحد الى المكان، فعدنا لنرى البيت أكثر ازدحاما وقادنا احدهم الى الفضوة الواطية نفسها، حيث شاهدنا حسين بيك وبيرين وعدد قليل من الشيوخ جالسين. و في صدر الفضوة فوق تكية مرفوعة قليلا يقف السنجاق الشهير الذي سمح لنا بالنظر اليه عن كثب..وبدا الشكل شكل طائر اقرب الى الديك من اي طائر آخر بصدر منفوخ ورأس صغير وذيل عريض منتشر، وكان جسم الطائر كاملا لكن الذيل منبسط ومخدد ويوجد تدلي صغير تحت العنق ربما قصد به إظهار اللغد، والديك يقف في أعلى قضيب شمعدان يعلوه حوضان يقعان تحت الديك أحدهما فوق ألآخر الأقرب الى الديك أكبر بعض الشيء من الحوض الأسفل ولكل حوض سبع نهايات لأيقاد الزيت، والشكل كله مصنوع من البرونز، وقد ركب على نحو يمكن معه تفكيكه الى أجزاء واعادة تشكيله بيسر كبير وبالقرب من الشمعدان الذي يعلوه الديك، يوجد ابريق نحاسي مملوء بالماء بقصد شربه كتعويذه للشفاء من الأمراض العضال..

الشيخ ناصر بصفته طبيبا روحانيا:

يعتقد اليزيدية كلهم أن الشيخ ناصر يمتلك قوى روحية خارقة فيسعون الى التوسط لديه في معالجة الأمراض المستعصية التي تصيب الإنسان والحيوان، وان لديه الرقى التي تشافي العقيم وبمقدوره كشف المحجوب فيما يتصل بالسفر او اي عمل آخر..وإن شهرته في هذا المجال تتجاوز الطائفة الى الطوائف كلها، وهنا يروي لنا باجر رواية نادرة عن معالجة الشيخ ناصر لحالة من الصرع:

(كان للسيد [كريستيان رسام] قواصا [حارسا شخصيا] اسمه محمد، وكان محمد هذا مسلما ورعا يكره الكفار كراهية عميقة وبخاصة أولئك الذين لاكتاب لهم [من غير الذميين] حكى لي أن زوجته مريم، التي كانت بالأصل يزيدية، قد تشافت من الصرع على يد الشيخ ناصر، وأنه حاول كل شيء لمعالجتها فراجع الأطباء في الموصل وغيرها واتصل بالملالي ثم لجأ الى طبيب أفرنجي عالجها لبضعة أشهر، من غير ما نتيجة.فقرر أخيرا تحدي كل ما يساوره من شكوك وأخذها الى الشيخ اليزيدي العظيم..الذي رحب به وطلب منه أولا أن يذبح نعجة فأخذ من دمها ورشه على جبين زوجته ثم غطى صدرها بقطعة قماش ملطخة بطين مجلوب من الشيخ عدي [يلفظ عادي أحيانا] ثم ربط رسغ يدها اليسرى بسلسلة، وأمر بتركها في غرفة معزولة في بيته لسبعة أيام وكان يطعمها خبزا يحضره بيديه..ثم مضت بضع سنين، ولم تتعرض زوجته لأي نوبة صرع مذ غادرت سقف الشيخ ناصر..ولمعرفتي بكراهيته لليزيديين، توجهت اليه بالسؤال كيف له ان يفسر امتلاك شخص كافر لمثل هذه القوى الروحية، فجاء رده “أن هذا يذهلني كثيرا، ولكني سألت المللا سلطان ليجيب عن هذه المعضلة فقال لي من الطبيعي أن يتمكن غير النظيف من طرد غير النظيف” [يعكس هذا الرأي تحيزا واضحا ضد اليزيدية يكرر موقف الأتراك والأكراد والمستعثمين من العرب في القرن التاسع عشر]..كما يقوم الشيخ ناصر بتسوية النزاعات المترتبة على زيجات الإختطاف [يقوم الرجل باختطاف إمرأة بهدف تزوجها وهي عادة بائدة عند اليزيدية ولدى بعض الشعوب الآسيوية كالمغول والقرقيز]، فيأتي الزوج الى الشيخ ناصر ليعطيه رغيف خبز مبارك يأكل نصفه ويطعم زوجته النصف الآخر، لتحل عليهم بركة الطائفة ويقابل أهل العروس والعروسة الحال بالرضى..ويقوم الشيخ ناصر بالإشراف على المحتضرين والجنائز باعطاء شيء من الماء للمحتضر أو وضع كرة صغيرة معمولة من طين مرقد الشيخ عادي في فم الميت)..وعندما يقوم أفراد من الكواجك بهذه المهمة فانهم يتلقون مبلغا من أهل الميت لقاء اتعابهم..

ولعل من غرائب التقاليد اليزيدية المتصلة بالشيخ ناصر إجازته لبعض الطقوس او العادات اليزيدية بسبب ظهورها في الأحلام لدى أحد القوالين أو الكواجك أو حتى الفقراء من الطائفة اليزيدية أي كان مكانه..والى ذلك عادة أخبرنا عنها باجر:

(قمنا بجولة صباحية في هذه القرية [بعشيقة]، فلاحظنا محلا صغيرا محوطا أقامه اليزيدية السنة الماضية وانهم بنوه أو حوطوه نزولا عند طاووس ملك الذي ظهر بالحلم.. وأنه يعد كل من يأخذ من تراب هذا المكان وينثره على الجرب أو اي مرض جلدي اصابه، فإنه يشفى)..

والى الأحلام ايضا يعود تحريم لبس اللون الأزرق الغامق، وتشريع وضع شقائق النعمان الحمراء في مناسبة عيد الطوافة على ابواب البيوت في بعشيقة، وغير ذلك من عادات..

نأتي هنا الى ختام جولتنا في عالم اليزيدية ذي الألوان الزاهية بصحبة أثنين من أبرع الكتاب الإنكليز وهما الأثاري لايرد والتبشيري باجر مع الشيخ ناصر الإيسياني وطائفته في منتصف القرن التاسع عشر..ونحن بهذا ننصف شخصية خدمت طائفتها وحافظت على استقلالها الإثني القومي والعقيدي ضد محاولات تذويبها في كيانات غاصبة أكبر منها او إبادتها والغاء وجودها في مهادها التاريخي في شمالي العراق وحيث تتواجد في أماكن أخرى..

خاتمة وملاحظة حول الصور:

لايمكن لأي بحاثة، مهتم بتاريخ العراق وطوائفه والموصل ومنطقتها بل والأديان والجماعات البشرية على تنوعها، أن يمر بالطائفة اليزيدية مرور الكرام [مرورا سريعا عابرا] ولاسيما وانها من اكثر الطوائف تعرضا للإضطهاد والعسف في موطنها التاريخي، ليس لأي سبب سوى معتقدها الديني ولطمع الأقوام المجاورة لها في اراضيها وممتلكاتها الى جانب الطبيعة العدوانية لدى هذه الأقوام وتسلطها على مقدرات المنطقة..

كما يتأتى الإهتمام بالطائفة اليزيدية لوجودها عند تقاطع طرق العلاقات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والتاريخية (خلال القرن التاسع عشر) والجيوسياسية (حديثا)، بحكم موطنها في شمالي بلاد مابين النهرين ومنطقة الموصل وتوسطها المراكز الحضارية القديمة في الشرق الأدنى ما جعلها موضع اهتمام جانبي و رئيسي للعديد من الآثاريين والتبشيريين والرحالة ممن يخصص فصلا في كتاب رحلته للطائفة أو يفرد في وصفها كتابا كاملا..

وقد لاحظت لغطا كبيرا في الإعلام المسيس بهدف الغاء التفرد القومي والإثني للطائفة اليزيدية الغرض منه أبتلاعها وصهرها في كيانات تسعى الى ضم اراضيها والتمدد على حسابها، بل وتعريضها للقتل والتهجير على نحو يذكرنا بممارسات الإبادة العثمانية، والى ذلك عزو الإضطهاد الذي تعرض له اليزيدية الى المسلمين من غير تحديد أو إيضاح لأي جماعة من المسلمين قام بذلك الإضطهاد، ومحاولات الإختراقات التركية والإرهابية في الوقت الحاضر لمنطقة سنجار [سنجارا الآشورية]، او محاولات الإحتواء بتبريز قيادات نكرة وتساومية محسوبة على الطائفة اليزيدية بهدف إبعاد الأصوات اليزيدية المستقلة..

على ذلك بات من الضروري تسليط الضوء على عراقية هذه الطائفة وابراز الدور الذي لعبته شخصيات مهمة في تاريخها انصافا لهذه الشخصيات وكشفا للتزوير المقصود الذي ينالها في كتابات خصومها من الجماعات والأقوام المجاورة لها، ويصدق في هذه الجماعات والأقوام بيت المتنبي:

جيرانها وهم شر الجوار لها … وصحبها وهم شر الأصاحيب

على ذلك رأيت التوقف عند احدى الشخصيات الفاعلة والإنسانية المهمة في التاريخ اليزيدي، هي شخصية الشيخ نالصر الإيسياني، تكريما لروح تلميذي وصديقي يوسف الإيسياني وجاري وصديقي جلال الإيسياني..والى الأمير أنور معاوية الأموي أمير اليزيدية المقيم في ألمانيا..

تتضمن الصور المرفقة لوحات تخطيطية غير مؤرخة للشيخ ناصر الإيساني وصورة نادرة جدا للشيخ حسين الزعيم السياسي للطائفة اليزيدية في منتصف القرن التاسع عشر وهي صور مقتطعة من كتب الرحلة لهنري أوستن لايرد، ووليم فرانسيس أينزوورث، وهوراشيو ساوثكيت، وبيرسي جورج باجر، ومعها صور ليزيدية ميركان ولقوالين يضربون على الدفوف وعدد من صور تمثل اليزيدية في لاليش ورسوم لمعبد لاليش، وصورة تخطيطية رسمها باجر لطاووس ملك الذي عاينه بصحبة الشيخ ناصر في بعشيقة منقولة من كتابه (النسطوريون وطقوسهم)،وأخرى للموصل كما تبدو في منتصف القرن التاسع عشر بريشة الفنان الفرنسي يوجين فلاندين..اما الصور الفوتوغرافية فتمثل أحداها الشيخ علي، وهي لغير علي والد الشيخ حسين بيك، بل لحفيده واسمه علي أيضا لأن الصورة فوتوغرافية ولم يكن على عهد الشيخ علي الذي قتل على يد ميركور الأعور تصويرا فوتوغرافيا، الى صورتين للشيخ اسماعيل جد الشيخ أنور معاوية لوحده و أخرى له أيضا ضمن وفد من اليزيدية في زيارة الآباء الدومنيكان في الموصل، مع عدد من صور الرحالة والتبشيريين أخذت في وقت لاحق بعد رجوعهم لبلدانهم باستثناء صورة لايرد الذي نشاهده فيها كما كان في زمن معركة ميركان بين والي الموصل طاهر باشا وأرناؤطه، ويزيدية ميركان، وصورة تخطيطية لباشا عثماني يضع قدمه على انسان بائس (وهي واحدة من آلاف)، والصور الملونة أحدها لجارلس فردريك كوبر وتمثل إحتفال لليزيدية في سرادق كبير، ولوحة تمثل السلطان العثماني محمود الثاني مع عدد من الصور الفوتوغرافية لقرية باعذرا وايسيان وبقايا دار الشيخ حسين في باعذرا وهي صور حديثة..

Be the first person to like this.